الأحد، 14 يونيو 2009


الجانب التشريعي في الغزوات وأثره في الجهاد المعاصر للباحث
علاء صابر جابر على


الاهداء
إلى الذين رؤوا بدمائهم الزكية تراب فلسطين الطهور
إلى الذين يرفعون راية الجهاد عالية ذد اليهود المغتصبين
إلى جيش الفرقان أصحاب الإيمان وعلو الشأن
ثم إلى :
حنان الأبوة وحب المعلم ورمز التقدير والأسرة المحسنة
إلى الحضن الدافئ والرومانسية المخبأة والجاذبية الأخاذة
إلى من له في قلبي ماله من هذا وذاك إلى حبيبي إبراهيم رشاد
مقدمة البحث
الحمد لله حق حمده على نعمة الإيمان والإسلام والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للعالمين وبعد :
فان الإسلام هو الاستسلام والانقياد لله تعالى الذي كرم الإنسان أحسن تكريم , فقد منحه العزة المستمدة من عزه الله ورسوله والإسلام دين السلام .
ولكن السلام غاية وهذه الغاية تتوقف على مقدمات كثيرة ووسائل عدة ومن وسائل السلام الناجحة : القتال والحرب والإعداد المادي والمعنوي لمجابهة الأعداء وبمعنى أدق واشمل وأجمل واعم
الجهاد في سبيل الله فهو وسيلة السلام
دعا الإسلام إلى السلام الشخصي والنفسي والاجتماعي بل والدولي ولكن في الوقت ذاته دعا إلى الجهاد في سبيل الله تعالى لإعلاء كلمة الله وإخراج الناس من الظلمات إلى النور
وقد شرع الإسلام الجهاد بالنفس والمال واللسان وذلك أنبل وسيلة للسلام والحق والعدل ورغب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين فضل المجاهدين ، ورفع مكانتهم وخلد ذكرهم واعتبر اسم الجهاد والشهادة في سبيل الله .
وبدوري فقد قمت بعون الله ومدده وحوله وقواه ببعض من التأصيل الشرعي لأحداث جرت على الساحة قريبا بصفة خاصة ولبعض ما يكون في الجهاد المعاصر عموما بصفة عامة ورددت هذه الأحداث لأحداث مما تله في الشكل والمضمون وربما تكون في الطريقة كان يفعلها القائد الأول والأعلى للجيوش الإسلامية عموما سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، رادا بذلك أقوال تعيب على المقاومة الفلسطينية حقها فى الدفاع عن أراضيها صادخا بأوداج منتفخة : انه من يعيب على المقاومة أن تقاوم فى ظل هذا الحصاد الجائر على أراضى غزتنا الحبيبة فأنه يعيب على موقف النبي صلى الله عليه وسلم فى مقاومته للأحزاب وكانوا هؤلاء أيضا يفرضون حصادا قويا على المدينة .
وقد ربطت الغزوات وليس كلها بالتأكيد ، بل اقتصرت على ثلاث غزوات
( بدر – الأحزاب – بني قريظة ) بالجهاد المعاصر فان الحرب والقتال تتطور أساليبه وفنونه فى الأزمان والأماكن وآت الأعداء يتفننون بالاحتياطات والكيد والتأمر فلابد كذلك من تطور لوجوه المقاومة ولابد أن تتناسب لتحقيق الغاية والهدف لتحرير البلاد المغتصبة والديار المدنسة من مكر اليهود وحقدهم واغتصابهم لفلسطين .
وقد قسمت بحثي لثلاثة فصول :
الفصل الاول : يتناول غزوة بدر وتأثيرها فى الجهاد المعاصر ويتناول هذا الفصل ستة مباحث ومطلبين
أما المبحث الاول فيتضمن : تفعيل مبدأ الشورى
والمبحث الثاني يتضمن : استخدام النبي صلى الله عليه وسلم التمويه والذكاء فى معرفة أخبار العدو
والمبحث الثالث : استحباب النزول على آراء أصحاب الحنكة فى القتال
والمبحث الرابع : الاستطلاع وموقف التشريع النبوي منه
المبحث الخامس : خطبة الحرب( أهميتها نظرة الجانب التشريعي لها )
المبحث السادس : دروس مستفادة من التشريعات
وينقسم هذا المبحث إلى مطلبين
المطلب الاول : القيادة الواعية
المطلب الثاني : المعنويات وأثرها على أحداث المعركة
أما الفصل الثاني فيتناول : غزوة الخندق وتأثيرها فى الجهاد المعاصر
وينقسم هذا الفصل إلى أربعة مباحث
المبحث الاول حفر الخندق ويتناول مطلبين :
المطلب الاول : الجانب التشريعي نت حفر الخندق
المطلب الثاني : الفكر العسكري الحديث وراية فى حفر الخندق
المبحث الثاني : يتضمن التشريع النبوي والمفاجأة الإستراتيجية
أما المبحث الثالث: فيتناول شرعية المقاومة فى ظل الحصاد
أما المبحث الرابع: فيتناول السياسة الشرعية وعلاقتها بفرضية الجهاد
أما الفصل الثالث وهو عبارة عن دراسة نموذجية تطبيعية لغزوة بني قريظة
وينقسم إلى ستة مباحث
المبحث الاول يتناول : التشريع النبوي فى قتال من نقض العهد
المبحث الثاني : ويتناول استخدام الحصاد والمقاطعة كسلا حان استراتيجيان فى مهاجمة بني قريظة
المبحث الثالث : يتناول مشروعية الاجتهاد فى الفروع ووقوع الخلاف فيها وأهمية ذلك
المبحث الرابع : يتناول مشروعية استخدام عنصر المباغتة فى شل حركة العدو
المبحث الخامس : يتناول جواز التحكيم فى أمور المسلمين ومهامهم
المبحث السادس : حكم القيام إكراما للقادم
وقد كان تمثيل للجهاد المعاصر أحداث غزة الأخيرة ولا شك أن ما ينطبق على الجهاد فى فلسطين من أحكام ينطبق على الجهاد فى كل مكان فما فى البحث من أحكام يصلح أن يكون للشيشان ولأهل كشمير والسودان والصومال والفلبين ولكل المسلمين المجاهدين فى سبيل الله فى كل مكان وما ذكر فلسطين إلا تمثيل لا حصر
- وأقدم هذا البحث راجيا المولى عز وجل أن يجعله ميزان حسناتي ، وان ينتفع به شباب الإسلام وحمله لأيه الجهاد ،ويجعله نورا يلتمس به الطريق إلى الشهادة وأخر دعواي أن الحمد لله رب العالمين .

علاء صابر جابر على





الفصل الاول
غزوة بدر الكبرى وتأثيرها فى الجهاد المعاصر
المبحث الاول : تفعيل مبدأ الشورى
المبحث الثاني : استخدام النبي صلى الله عليه وسلم التمويه والذكاء فى معرفة إخبار العدو
المبحث الثالث : استحباب النزول على أراء أصحاب الحنكة فى القتال
المبحث الرابع : الاستطلاع وموقف التشريع النبوي منه
المبحث الخامس: خطبة الحرب ( أهميتها .. نظرة الجانب التشريعية لها )
المبحث السادس: دروس مستفادة من التشريعات
المطلب الاول : القيادة الواعية
المطلب الثاني : المعنويات وأثرها على أحداث المعركة











بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد
من الهجرة إلى أول غزوة
ذكر بن هشام فى سيرته انه قدم صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الاثنين حين اشتد الضحاء وكادت الشمس تعتدل لتنحى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الاول .
قال بن إسحاق :- ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ابن ثلاث وخمسين سنة وذلك بعد أن بعثه الله عز وجل بثلاث عشر سنة فأقام بها بقية شهر ربيع الاول وشهر ربيع الآخر وجهاديين ورجبا وشعبان ورمضان وشوالا وذا القعدة وذا الحجة – وولى تلك الحجة المشركون والمحرم ، ثم خرج غازيا فى صفر على رأس اثنتي عشرا من مقدمة المدينة









الفصل الاول
غزوة بدر الكبرى وتأثيرها فى الجهاد المعاصر
المبحث الاول ( تفعيل مبدأ الشورى )
استشارة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه قبل الجهاد
( أبو بكر والمقداد وكلماتهم فى الجهاد )
ذكر بن هشام فى سيرته ولما آتاهم الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا غيرهم استشهاد الثاني فقام أبو بكر فقال وأحسن وقام عمر بن الخطاب فقال وأحسن ثم قال المقداد بن عمرو فقال ،يا رسول الله أمضى لما أراك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا اناها هنا قاعدون وانما نقول لك اذهب أنت وربك فقاتلا انأ معكم مقاتلون .


(1(– سيرة بن هشام ج 1 ص 615
- انظر : الدرر فى اختص المغازى والسير لبن عبد البر ص 103
- انظر : الاكتفاء فى مغازى رسول الله والثلاث الخلفاء للكلاعى الأندلس ج 2 ص 19
- انظر : فقه السيرة د.محمد سعيد رمضان ص 171







يقول السيد محمد رشيد رضا
ومن أهم ما يجب على الأمام المشاورة فى كل ما لا نص فيه عن الله ورسوله ، ولا إجماع صحيحا يحتج به أو ما فيه من نص غير قطعي الدلالة ولا سيما امرر السياسة والحرب المبنية على أساس المصلحة العامة وكذلك تنفيذ النصوص فى هذه الأمور وهى تختلف باختلاف الزمان والمكان فا الإمام ليس حاكما مطلقا












السياسة فى الفكر الاسلامى – احمد شلبي . ص 83












المبحث الثاني :
استخدام النبي صلى الله عليه وسلم التمويه والذكاء فى معرفة إخبار العدو
ارتحل صلى الله عليه وسلم ليعرف أخبار قريش هو وأبا بكر فوقفا على شيخ من العرب فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم فقال الشيخ لا اخبركما حتى تخبراني ممن أنتما
( فوافقاه ) فقال الشيخ بلغني أن محمد وأصحابه قد خرجوا يوم كذا وكذا ، فان كان هذا صدق فهم اليوم بمكان كذا وكذا وبلغني أن قريش خرجوا يوم كذا وكذا فان كان صدق فهم اليوم بمكان كذا وكذا، فلما فزع قال من أنتما ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن من ماء ثم انصرفا عنه فأخذ يقول الشيخ ما من ماء ؟! امن من ماء العراق
قال بن هشام يقال ذلك الشيخ سفيان القمري

















11) سيرة بن هشام ج 1 ص 616
- انظر فقه السيرة – محمد سعيد رمضان – ص 173

المبحث الثالث :
استحباب النزول على آراء أصحاب الخبرة والحنكة فى القتال
قال بن إسحاق تحدثت عن رجال من بني سلمه أنهم ذكروا أن الحباب بن المنذرين الجموح قال يا رسول الله أرأيت هذا المنزل :
أمنزل انزله الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟
قال بل الحرب والرأي والمكيدة : فقال يا رسول الله فان هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى ادني ماء من القوم فننزله ثم نغود ( اى نفسده ) ما وراءه من القلب ثم نبنى عليه حوض فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أشرت بالرأي فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس فسار حتى أذا آتى أدنى ماء من القوم نزل عليه ثم أمر بالقلب فغورت وبني حوضا على القليب الذي نزل عليه فملئ ماءا ثم قذفوا فيه الآنية
















سيرة بن هشام ( مرجع سابق ) ج 1 ص 606 : ص 620
فقه السيرة ( مرجع سابق ) ص 173

المبحث الرابع
الاستطلاع وموقف التشريع النبوي منه
أن مواجهة العدو أمر غير هين ،ذلك أن هذه المواجهة تتطلب أعدادا خاصا هذه الأعداد تقوم أساسا على حجم المعلومات إلى تكون تحت فكر وبصر القائد .
وحجم المعلومات يتوقف على الجهد الذي يبذل فى جمعهم ولابد أن تكون هذه المعلومات صادقة صحيحة سليمة ففي ضوئها يدرس القائد الموقف ويقدره ويضع خطته .
ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر القادة إدراكا لأهمية المعلومات ولهذا حرص اشد الحرص على أن يرتفع رصيد ويكبر حجمها (1)
وتقديرا لأهمية هذه المعلومات فانه من يسند إليه جمعهما والحصول عليها إنسان يكون متميزا بصفات خاصة يأتي فى مقدمتها الصدق
( فى النقل – فى البحث ) ولهذا اهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال اهتمامه بالمعلومات باحتيار الشخص الموثوق به الغير مطعون فى سلوكه أو صدقه ومن هنا كانت كل المعلومات التي وصلت إليه صلى الله عليه وسلم صحيحة وسليمة وصادقة









العبقرية العسكرية فى غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم – محمد فرج – ص
ينبثق من هذا الدور التشريعي الرائد الذي شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال جمع المعلومات التي تتعلق بالعدو حتى يمكن السيطرة على نقاط ضعفه ومعرفة نواياه ، ومن هذا الجانب تشريع آخر له صلى الله عليه وسلم
أما كون هذا التشريع ملزما للجيش الاسلامى فى كل مراحله وعصوره أو غير ملزم ،فهذا يثبت بالطرق الشرعية لتقصى حقيقة هذا الأمر ، اى من خلال الآيات والأحاديث التي تثبت أن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله ملزمة للأمة بصفة عامة وللجيش المحارب بصفة خاصة
وعملية جمع المعلومات تسمى فى حروب اليوم ( بالاستكشاف ) وتقوم بها
دوريات خاصة وتشكل عادة من أفراد قلائل يحرصون على جمع المعلومات دون التورط فى اى قتال ما ، وعلى عصر النبي صلى الله عليه وسلم كانت تسمى هذه العملية بالاستطلاع ويقوم بها أفراد قلائل لا يزيد عددهم عن ثلاثة يحرصون على أداء مهمتهم دون قتال (1)
يفهمن من ذلك أن عملية الاستطلاع التي كانت تتم فى عهد النبي صلى الله عليه وسلم قد سبق بفكره العسكري الأفكار العسكرية الحديثة رغم التطور العلمي الكبير الذي شمل الفكر العسكري منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم حتى يومنا هذا
ولما كانت غزوة بدر هي أول معركة حربية توافرت لها كل مقومات المعركة فان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أعطى للاستطلاع أهميه بالغة وخاصة فى مرحلة الحشد التي تسبق القتال









الدرر فى اختصار المغازى والسير ( مرجع سابق ) ص 103
ونظرا للأهمية البالغة لهذه العملية فقد كان يقوم بها النبي صلى الله عليه وسلم فى بعض الأوقات مثلما قام هو وأبا بكر بجولة تفقد قبل بدر وقابلا شيخ من العرب ( سفيان الضميري ) وسألاه عن قريش كما كان صلى الله عليه وسلم بعض رجاله الثقات للانجاز هذه المهمة فقد بعث قبل بدر على بن أبى طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبى وقاص يلتمسون الخبر – خبر قريش- فوجدوا سقاه القريش يسقون فأتوا بغلامين للنبي صلى الله عليه وسلم والغلامان هما ( اسلم الملام بن الحجاج – وعريض بن يسار غلام بني العاص )
وقد تولى النبي صلى الله عليه وسلم عمليته استجواب الغلامين بنفسه وقد سال صلى الله عليه وسلم أسئلته لهما قيمتها وخطورتهما منها :
كم القوم ؟ وما عدتهم ؟ ومن الخارجين ؟
* وينبثق من هذا الجانب جانب تشريعي وه تولى القائد عمليته لاستجواب الأسرى آذ انه ابعد فكرا واقوي بديهة وأسرع إدراكا من باقي الجيش .


















المبحث الخامس
خطة الحرب .... أهميتها .... ونظرة الجانب التشريعي لها
برزت خطة الحرب التي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم بعد المشاورة مع قواد الجيش فى عناصر نجملها إجمالا للاختصار .
اختيار موقع القيادة
ترتيب المقاتلين وتتولى العمليات بإصدار الأوامر لها
كلمة التعارف وشعار القتال هو احد – احد
الإذن بالقتال هو كلمة ( شدوا) يصدرها النبي صلى الله عليه وسلم
توجيه الجهد إلى سادات قريش وزعمائها بقصد استئثار جزاء لما فعلوه بالمسلمين فى مكة .
عدم التعرض لبنى هاشم وبعض رجال من سادات قريش لموقفهم مع المسلمين الايجابي ومعاونتهم لهم منذ البعثة إلى الهجرة .
مما سبق يترتب لنا :-
إن قريشا كانت أمام منظمة قادرة على خوض معركة ذات تكتيك فعال فى مواجهة الصعاب ، جيش له تصوره الشخصي من نتائج الفوز فى مكة وكيف سيحول نظر الشريعة العربية للمدينة.
ولقد اعد الرسول صلى الله عليه وسلم خطة اللقاء نتيجة للدراسات المتعددة التي قام بها عن عدوه .













المبحث السادس
الدروس المستفادة من التشريعات الإلهية فى غزوة بدر
وأثرها فى حرب غزة الأخيرة
المطلب الاول : القيادة الواعية
أن النصر فى المعركة يتبع أساسا من شخصية القائد التي تتميز بالحنكة والفهم وسعة الأفق وعمق الإيمان والقدرة على تحريك القوات والتعامل معهم والثقة الكبيرة التي يعطيها لجنده ويعطونها له .
والرسول صلى الله عليه وسلم أكد فى غزوة بدر وهى أول غزواته وأول معركة يخوض غمارها قدرة فائقة على القيادة واكتسب المسلمون قائد ممتازا قادهم وهم قله إلى نصر أخفقت قيادات قريش – وهم يقودون جيشا كثيف العدد كثير العدة – ف الوصول إليه وتحقيقه رغم ما بدا من تصريحاتهم بأن النصر ملء أيديهم .
أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم أن مهمة القائد لا تنتهي بإصدار الأوامر ولكنه تمتد لمباشرة القتال والإشراف على سير المعركة ومتابعة إحداثها والمشاركة منها .
المطلب الثاني : المعنويات وأثرها على أحداث المعركة
- المعنويات هي السلاح الرابح فى المعركة ، ولم يعرف المقاتلون ذلك قبل الإسلام بل كان ذلك تشريع منه صلى الله عليه وسلم فى شحذا الهمم وتقوية العزائم ، وقد جعلها الإسلام أساس المعركة فكان يتسابقا فى اكتشاف هذا السلاح الخطير الذي استخدمه فى غزوة بدر لأول مرة فى تاريخ الحروب فأثبت فاعليته ، وتلقت القيادات التي جاءت بعد الإسلام هذا الكشف العسكري الاسلامى وجعلته فى مقدمة أساليبها فى تكوين وخوض المعارك








الفصل الثاني : غزوة الخندق
وتأثيرها فى الجهاد المعاصر
وينقسم إلى :
المبحث الاول : حفر الخندق
المطلب الاول : الجانب التشريعي من حفر الخندق
المطلب الثاني : الفكر العسكري الحديث ورأيه فى حفر الخندق
المبحث الثاني : التشريع النبوي المفاجأة الإستراتيجية
المبحث الثالث : شرعية المقاومة فى ظل الحصار
المبحث الرابع : السياسة الشرعية وعلاقتها بفرضية الجهاد










المبحث الاول : حفر الخندق
المطلب الاول : موقف الجانب التشريعي من حفر الخندق
كان حفر الخندق ستة خمس هجريا وحتى يؤكد النبي صلى الله عليه وسلم على جانب الشورى وضرورته فى المعارك قد جمع أصحابه لما علم بمسير الأحزاب تجاه المدينة وقد اخذ برأي سليمان الفارسي الذي قال كنا فى بلاد فارس إذا حوصرنا خندقنا (1) بعد ما اعتمد الصحابة هذا القول .
ومن ناحية عسكرية أعجب النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الرأي وكذلك المسلمون فقد كان رأيا جديدا لم يألفه العرب من قبل وسيكون مفاجأة لقريش مذهلة .
ومن ناحية تشريعية فهو إقرار من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لنهج منهجه إذا ما تشابهت الظروف (2)
المطلب الثاني : الفكر العسكري الحديث ورأيه فى حفر الخندق
أن وجود الخندق كان مفاجأة ، ومن هنا يبدأ الحديث فالمقصود بالمفاجأة إضرار العدو للقتال فى ظروف لا تمكنه من استخدام جميع قواته وموارده التي يتطلب الموقف .
يقول كلاوزفتز ( ليست المفاجأة بالوسيلة الوحيدة للحصول على التفوق العدوى فقط بل تعتبر أيضا عنصرا قائما بذاته نظرا لما لها من التأثير المعنوي الذي يؤدى عند نجاحه إلى إحداث الارتباك فى صفوف الأعداء ) .







فقه السيرة – محمد سعيد رمضان – 230
الدرر فى اختصار المغازى والسير – لبن عبد البر 169
المبحث الثاني : التشريع النبوي والمفاجأة الإستراتيجية
المفاجأة أنواع أهمها المفاجأة الإستراتيجية ، وهى تعنى ا القائد الماهر هو الذي يجتهد فى أن يضع خصمه فى الموضع الذي يصبح فيه مسلوب الإرادة ، مسيرا ضد رغباته وإرادته ، وتقوم هذه المفاجأة على عاملين هما سري الخطة وسرعة انجازها .
فى ضوء هذا المعنى نستطيع أن نقول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حقق المفاجأة الإستراتيجية حين استجاب إلى الرأي القائل بحفر الخندق كما حقق ناحية تشريعية ، إذا تشابهت الظروف بين إحداث وبين الواقع المعاصر .
ولقد أسقطت هذه المفاجأة كل تدبير أعدته القوى المضادة ، فقد وجدت الأحزاب نفسها فى وضع لا يخطر على بالهم ، ليس لهم به علم ، فارتج الأمر عليهم ، وأصبحوا مسلوبي الإرادة أمام نوع جديد من أساليب الحرب ، هذا فوق التأثير المعنوي الذي فرضته هذه المفاجأة على نفسيا تهم ومشاعرهم .
من جانب أخر فان وجود الخندق يتطلب نوعا خاصا من القتال ، ولا يمكن لجيش كبير العدد كجيش الأحزاب أن يشترك كله فى هذا النوع من القتال ، لان القتال فى مثل هذا الموقف يتطلب أعدادا محدودة تكون مهمتها اجتياز الخندق ، ومن هنا يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد حرم الأحزاب من استخدام جميع قواتها ، وبالتالي تظل هذه القوات فى مواقعها دون واجبات قتالية مما يساعد على تسلل الملل إلى النفوس ، فتضعف المعنويات وتهبط الرغبة القتالية ويفقد المقاتل حماسة القتال.
وهكذا نكون قد تحقق كل أساليب النجاح للمسلمين وتأكدت كل أساليب الفشل أمام الأحزاب .








المبحث الثالث : شرعية المقاومة فى ظل الحصار
فى ظل هذا الحصار الحربي على المدينة فشلت كل محاولات الأحزاب فى الهجوم ،ذلك أن المسلمين كانوا على درجة كبيرة من اليقظة فكلما بذل المشركون محاولة أصابوهم بوابل من السهام والنبال فيرتدون على إعقابهم (1 ) .
لم يكن أمام المشركين إلا أن يرموا بالسهام والنبال لكن الرمي كان من خارج منطقة التأثير وهى تضنى فى حروب اليوم ( بمنطقة النيران المؤثرة ) وخلال هذا الرمي أصيب سعد بن معاذ بسهم .
أما تشريع النبي صلى الله عليه وسلم للمقاومة فى ظل حصارهم هذا ومناوشات الأعداء لهم يظهر جليا فى إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم سيفه لعلى ب أبى طالب لمبارزة عمرو بن عبد ود عندما استطاع الأخير اجتياز الخندق (2)
كما تصدى أسيد بن حضير فى مائتين من المسلمين لخالد بن الوليد مع طائفة للمشركين فى مناوشة .
كذلك كانت قريش تلجا إلى الهجوم ليلا محاولة عبور الخندق فأخذت ترسل الطلائع لكن المسلمين كانوا قائمين على قدم وساق لهذه الطلائع .












(1) فقه السيرة / محمد سعيد رمضان / 225
انظر كذلك : الدرر فى اختصار المغازى والسير / 173 بن عبد البر
(2) الدرر فى اختصار المغازى والسير / 174 ( مرجع سابق )
المبحث الرابع : السياسة الشرعية وعلاقتها بفرضية الجهاد
( أحقية المقاومة الفلسطينية فى الدفاع عن أراضيها )
أن خضوع حالات الغزو أو المعاهدات أو الصلح بين المسلمين وغيرهم بما يسمى بالسياسة الشرعية أو ما يسمى البعض بـ حكم الإمامة وبيان ذلك أم مشروعية فرض الجهاد من حيث الأصل حكم تبليغ لا يخضع لاى نسخ أو تبديل كما أن أصل مشروعية الصلح والمعاهدات ثابت لا يجوز إبطاله واجتثاثه من أحكام الشريعة الإسلامية ، غير أن جزئيات الصور التطبيقية المختلفة لذلك تخضع لظروف الزمان والمكان وحالة المسلمين وحالة أعدائهم ، والميزان المحكم فى ذلك أنما بصيرة الأمام المتدين العادل وسياسة الحاكم المتبحر فى أحكام الدين مع أخلاص فى الدين وتجر فى القصد إلى جانب اعتماد دائم على مشاورة المسلمين والاستفادة من خبراتهم وارأهم المختلفة .
فإذا رأى الحاكم أن من الخير للمسلمين أن لا يجابهوا أعدائهم بالحرب والقوة وثبت من صلاحية رأيه بالتشاور والمذاكرة فى ذلك ، فلن أن يجنح إلى سلم معهم لا يصادم نصا من النصوص الشرعية الثابتة ، ليثما ياتى الظرف المناسب للقتال والجهاد ، وله أن يحمل رعيته على القتال والدفع إذا ما رأى المصلحة والسياسة السليمة الشرعية فى ذلك الجانب .
وهذا ما اتفقت عليه أراء عامة الفقهاء ودلت عليه مشاهد كثيرة من سيرته صلى الله عليه وسلم فإذا داهم العدو المسلمين فى عقر دارهم وبلادهم مثل ما حدث فى غزة الفلسطينية فحينها على المسلمين دفعه بالقوة مهما كانت الوسيلة والظروف ويعم الواجب فى ذلك المسلمين كافة بشرط توفر مقومات التكليف .







الفصل الثالث : غزوة بني قريظة
المبحث الاول : التشريع النبوي فى قتال من نقض العهد
المبحث الثاني : استخدام الحصار والمقاطعة كسلا حان استراتيجيان فى مهاجمة بني قريظة
المبحث الثالث : مشروعية الاجتهاد فى الفروع ووقوع الخلاف فيها وأهمية ذلك
المبحث الرابع : مشروعية استخدام عنصر المباغتة فى شل حركة العدو
المبحث الخامس : جواز التحكيم فى أمور المسلمين ومهامهم
المبحث السادس : حكم القيام إكراما للقادم


المبحث الاول : التشريع النبوي فى قتال من نقض العهد
لعب اليهود دورا خطيرا فى غزوة الخندق .. دورا كاد أن يؤدى إلى نهاية الدعوة لولا رعاية الله تبارك وتعالى لدينه ولرسوله وللمؤمنين به ، لقد نقضوا الميثاق الذي كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم وحسبوها فرصة للقضاء عليه فتصبح المدينة لهم ، وكان نقضهم للعهد وانضمامهم للأحزاب الثغرة التي ابتل بها المسلمون ، فكانوا فى مواقعهم نقطة الضعف التي يخشى منا المسلمون أن ينزل بهم أمر يكرهون ، فلم يعد جوارهم مأمونا ولا سلمهم مكفولا ، ولا وعدهم مضمونا ، فكان لابد من اتخاذ موقف حاسم معهم حتى تؤمن المدينة من شرهم ، وكان وجهة نظر الأمن العسكري هي تأمين المسلمين ومستقبلهم من شرهم وغدرهم
وكانت الضرورة الملحة هي مراجعة الحساب مع اليهود كما قال إميل درمنجم صاحب كتاب ( حياة محمد ) : انه كان من الصعب الا يصفى المسلمون حسابهم مع بني قريظة ( اليهود الذين انحازوا إلى العدو أيام الأحزاب ) .





المبحث الثاني : استخدام الحصار والمقاطعة كسلا حان استراتيجيان فى مهاجمة بني قريظة .
حاصر النبي صلى الله عليه وسلم بني قريظة خمسا وعشرين ليلة ، لم يقع خلال ذلك إلا بعض تراشق بالنبال والحجار ، وقذف الله فى قلوبهم الرعب ،فلما أيقنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم ، عرض عليهم كعب بن أسيد كبيرهم أمور ثلاثة :
أن يدخلوا فى الإسلام وهم أهل علم به فرفضوا
أن يخرجوا للقاء النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فتعللوا بالنساء
أن يغدروا النبي صلى الله عليه وسلم فيخرجوا يوم السبت فخافوا من المسخ .
أما استخدام النبي صلى الله عليه وسلم للحصار الاقتصادي أو المقاطعة الاقتصادية فكان لقصد عسكري بعيد النظر وهو إرهابهم معنويا ، كما أن الشعور بالجوع والعطش له تأثير كبير على معنويات اليهود .
المبحث الثالث : مشروعية الاجتهاد فى الفروع ووقوع الخلاف فيها وأهمية ذلك
عقب الخندق قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه ( لا يصلين أحدكم العصر إلا فى بني قريظة ) من الصحابة من فهم الحديث على ظاهرة فلم يصلى العصر إلا هناك رغم أن صلاة العصر ادر كتهم وهم فى الطريق ومن الصحابة من فهم غير ذلك فصلوا فى الطريق ثم واصلوا المسير .
وبلغ ما فعلوه جميعا النبي صلى الله عليه وسلم ولم بعنق احد منهم ، وهنا دلالة هامة على أصل من الأصول الشرعية الكبرى وهو تقرير مبدأ الخلاف فى مسائل الفروع واعتبار كلا من المتخالفين معذورا ومثابا ، سواء قلنا أن المصيب واحدا أو متعدد ،كما أن فيه مبدأ أو تقرير لمبدأ الاجتهاد فى استنباط الأحكام الشرعية وفيه ما يدل على استئصال الخلاف فى مسائل الفروع التي تنبع من دلالات ظنية فالله تعالى تعبد عبادة بنوعين من التكاليف :
احدهما تطبيق أوامر معينة واضحة تتعلق بالعقيدة والسلوك
ثانيهما – البحث وبذل الجهد ابتغاء فهم المبادئ والأحكام الفرعية من أدلتها العامة المختلفة .ثم أن هناك حكما باهر لمجئ كثير من الأدلة والنصوص الشرعية ظنية الدلالة غير قطعية ، ومن أبرزها :-
أن تكون الاجتهادات المختلفة فى مسألة ما ، كلها وثيقة الصلة بالأدلة المعتبرة شرعا ، حتى يكون للمسلمين مشع فى الأخذ بأيهما شاءوا حسبما تقضيه ظروفهم ومصالحهم المعتبرة ، وذلك من أجلى مظاهر رحمته الله بعباده فى كل عصر وزمن .
وإذا تأملت هذا علمت أن محاولة السعي فى القضاء على الخلاف فى مسائل الفروع معاندة ومغايرة للحكمة الربانية والتدبير الالهى فى تشريعية ، عدا انه ضرب من الباطن والعبث، آذ كيف تتضمن انتزاع الخلاف فى مسألة مادام دليلها طنيا محتملا ، فلو أمكن ذلك أن يتم فى عصر ما لكان أولى العصور به عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن أولى الناس بأن لا يختلفوا هم الصحابة رضوان الله عليهم .
المبحث الرابع : مشروعية استخدام عنصر المباغتة فى شل حركة العدو
أسلوب مهاجمة بني قريظة
من الواضح أن خروج المسلمين إلى بني قريظة كان فى وقت لم يتصوره إنسان ، فهو قد عادوا لتوهم بعد انصراف الأحزاب ، ولم يكن احد يتوقع القيام بعملية أخرى إلا بعد أن ينالوا قسطا من الراحة ، ولا شك فى إن هذا التوقع كان عند بني قريظة أيضا .
من هنا كان يسير المسلمين إلى بني قريظة نوعان من المفاجأة ، مفاجأة فى الزمن إذ وجد بنو قريظة المسلمون أمامهم فى موقف هجوم فى وقت لا يتوقعونه ، ولا شك فى أن هذا النوع من المفاجأة كان له أثره البالغ عليهم ، مما أدى إلى شل تفكيرهم وتعثر خطواتهم .
ولقد كان أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم أهمية الوقت فى الحصول على تصريح سريع ، فلو أن صلى الله عليه وسلم أبطأ فى التحرك لاستفاد اليهود من الوقت من عدة زوايا :-
كان فى إمكانهم طلب العون من الخارج من اليهود والإعراب
كان فى إمكانهم التجهيز فى موقع للدفاع بما يضمن لهم سيطرة على الموقف وحرية التصرف والحركة بما يخدم الموقف لصالحهم
كان فى أمكانهم استكمال الشئون الإدارية التي تلزم فى موقف الدفاع : كالمؤن والماء وإعداد ما يتطلب أو ما يلزم من متطلبات القتال
كان فى أمكانهم تنظيم وسائل الدفاع ووضع خطة دفاعية لتحصينهم من عواقب الحصار والمقاطعة .
وكان إسراع الرسول صلى الله عليه وسلم بتطويق مواقفهم مفاجأة حالت بينهم وبين الاستعداد الكامل كما أثرت هذه المفاجأ على معنوياتهم وروحهم القتالية ، فتخبطت أرأوهم ، وضاقت بهم السبل فاضطروا للتسليم وقبول حكم الرسول صلى الله عليه وسلم .














المبحث الخامس : جواز التحكيم فى أمور المسلمين ومهامهم
كانت بنو قريظة حلفاء للاوس – فأحب الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكل الحكم عليهم إلى واحد من رؤساء الأوسيين فجعل الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ ، وكان قد أصيب بسهم فى الخندق فكان يداوى فى خيمة هناك فلما حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بني قريظة وأرسل إليه بذلك ، أتى على حمار فلمادنا من المسجد (1) قال صلى الله عليه وسلم للأنصار : قوموا إلى سيركم أو خيركم ثم قال أن هؤلاء نزلوا على حكمك ، قال : تقتل مقاتلتهم وشبئ ذريتهم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم قضيت بحكم الله تعالى
قال النووي رحمه الله : فيه جواز التحكيم فى امرر المسلمين وفى مهماتهم العظام والرجوع فى ذلك إلى حكم مسلم عادل صالح للحكم ، وقد اجمع العلماء عليه فى شأن الخوارج ، فإنهم أنكروا على علئ التحكيم وأقام الحجة عليهم .
وفى ذلك أيضا جواز مصالحة أصل قرية أو حصن على حكم حاكم مسلم عدل صالح للحكم أمين على هذا الأمر وعليه الحكم بما فيه مصلحة المسلمين ، وإذا حكم بشي لزم حكمة ولا يجوز للأمام ولا لهم الرجوع ، بل قد يكون لهم الرجوع قبل الحكم (2)

(2) ليس المراد به مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المدينة ،(3) بل مكان اختصه صلى الله عليه وسلم فى بني قريظة للصلاة فكان مسجدا
(4) النووي على مسلم ( ج 12 / 76 )
المبحث السادس : حكم القيام إكراما للقادم
أمر النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار حينما اقبل نحوهم سعد بن معاذ راكبا دابته أن يقوموا إليه تكريما له ، ودلل على هذا التعليل بقوله : لسيدكم أو خيركم ، وقد استدل عامة العلماء بهذا وغيره على مشروعية إكرام الصالحين والعلماء والقادة بالقيام إليهم فى المناسبات إلى ذلك عرفا
يقول الإمام النووي فى تعليق على هذا الحديث (1) :
فيه إكرام أهل الفضل وتلقيهم بالقيام لهم إذا قبلوا هكذا احتج به( جماهير العلماء ) لاستحباب القيام وقال القاضي : وليس هذا أن القيام المنهي عنه ، ونما ذلك فيمن يقومون عليه وهو جالس ويمثلون قياما طول جلوسه
قلت : القيام للقادم من أهل الفضل مستحب ، وقد جاء فيه أحاديث ، ولم يصح فى النهى عنه شئ صريح
ومن الأحاديث الثابتة الدالة أيضا على ذلك ، ما جاء فى حديث كعب بن مالك ، وهو يقص خبر تخلفه ع غزوة تبوك قال ، فانطلقت أتأمم رسول الله عليه وسلم ، فتلقى للناس فى الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة ،ويقولون لي : نهنئك توبة الله عليك ، حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس ، فقام إلى طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يهرول حتى صافحني وهنانى والله ما قام رجل من المهاجرين غيره – فكان كعب لانيساها لطلحة .
وهذا كله لا يتنافى مع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال : من أحب أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار .
لان مشروعية إكرام الفضلاء وتوفيرهم لا تستدعى السعي منهم إلى ذلك أو تعلق قلوبهم بمحبته ن بل أن ابرز صفات الصالحين والفضلاء أن يكونوا متواضعين لإخوانهم زهدا فى طلب هذا الشئ ، ارايت إلى الفقير المحتاج ؟ أن الأدب الاسلامى يوصيه ويعلمه الترفع عن المسألة وإظهار الفاق والحاجة للناس ، ولكن هذا الأدب الاسلامى نفسه يوصى الأغنياء بالبحث عن هولاء الفقراء المتعففين ويأمرهم بإكرامهم وأعطاهم من فضول أموالهم فلكل الأدب ووظيفة ، ولا ينبغي أن نخلط بينهما ، أو ننسخ الواحد بالآخر فان ذلك من أسوأ مظاهر التسرع والجهل (2)
(1) النووي على مسلم ( ج 12 / 76 )
(2) فقه السيرة / محمد سعيد رمضان / 228
غير أن من أهم ما ينبغي ا نعلمه فى هذا الصدد أن لهذا الإكرام المشروع حدودا أذا تجاوزها الإنسان انقلب الأمر محرما واشترك فى الإثم كل من مقترفة والساكت عليه .
ومن ذلك ما قد تجده فى مجالس بعض المتصوف من وقوف المريدين عليهم وهم جلوس ، يقف الواحد فهم أما شيخه فى انكسار وذل مطرقا لايطرف إلى أن يأذن له بالجلوس ، ومنه من يفعله بعضهم من السجود على ركبة الشيخ أو يده عند قدومه عليه ، أو ما يفعله من الحبو إليه عندما يغشى المجلس
وقد ينخدع من يعترض على ذلك من قولهم فى ذلك أو فى تسويفهم لذلك من أن ذلك أسلوب للتربية وحظر على المسلمين الخروج عليها ، وليس بعد الأسلوب النبوي فى التربية من أسلوب يقر أو يعاج عليه .





















الخاتمة
الحرب الفاصلة
أكدت غزوات النبي صلى الله عليه وسلم أن الحرب فى الإسلام كانت حربا فاصلة لاستباح فيها دماء ولا تباح فيها المثلة ، تكريما للإنسان الذي أكرمه الله تبارك وتعالى ،ولا تترك فيها أشلاء الإنسان تنهشها الذئاب والغربان قال تعالى ( ولقد كرمنا بني ادم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا )
ولقد كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم الإنسان غاية التكريم ويبرز ذلك فى صور شتى ومواقف عدة وإذا كان المسلمون قد قاتلوا عدائهم فى بدر وقتلوا منهم الكثير ، فان هذا القتل عند الاعتداء لا يتنافى مع تكريم الإنسان فى ذلك أنهم كانوا يقاتلون دفاعا عن الحق ، ومن هنا قتالهم عدلا والعدل تكريم للإنسانية جمعا .
ولقد رفض النبي صلى الله عليه وسلم أن يترك قتلى بدر من المشركين تنهشها سباع الحيوان وتنخرها الغرباء جيف ملقاة على الأرض ، بل أمر صلى الله عليه وسلم بالقتلى أن يطرحوا فى القليب فطرحوا فيه .
صورة إنسانية كريمة وعمل فاضل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف كرامة الإنسان فيصونها له حتى ولو كان عدوه .
أما بالمقارنة بما حدث فى غزة قريبا فنجد البون شاسعا وجدنا أن لغزة صوت عميق ، ينادى ويستغيث ، فمن عادة البشر أن يستغيثوا ، ليغاثوا ولا عيب ولا لوم على المنادى يستغيث متأوها على فقد البيت والأولاد وأعضاء الحسد وكل الروح
ولغزة جميلة وعائشة وسعاد وفاطمة ، بتر جندي من بعيد أطرافهم ، ولم تترك حربه اى غبار ، فله فنجان من القهوة أو كأسا من الببسى كولا ، ففي الجو علو شاهق فوق الغيوم وفى البحر من حصن الحديد الطافي باطمئنان على صفحة البحر الأبيض ، ومن البر من داخل طيان من حديد وفولاذ سميك فلا لجميلة وقرينها ، وإقرائهم خطوات غير خط الروح تطير بهن من دون سيقان وأقدام إلى الراى العام الدولي ، لعله يتأكد للمرة المليون من أن الغزاة غزاة بالفعل وان الغزاة قساة وقساة جداهم كقسوة الحجر والفولاذ والحديد – وان من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار – وانه لم يعد بحاجة من دليل اقوي من دماء وأطراف وأشلاء ليدلل على هذا
لغزة غزاة اثروا المجزرة النظيفة قتل عن بعد وهو قتل نظيف فلا فرسان حرب ولكن ضغط على أزرار تصيب الهدف بدقة ، ضغط الجبناء خانوا بزاتهم العسكرية فابتهجوا لنهر الدماء وهللوا للقتل النظيف حتى يأخذ الفلسطينيون عبرة فلا يطالبون بغير البقاء على قيد الحياة تأييدا لمبدئهم الخسيس ( الأرض مقابل الحياة ) .
لغزة ألان بحران الأبيض المتوسط وبحر الأحزان فأكثر من ثلاثة أسابيع يوصل الغزاة ليل غزة بنهارها ، فتجد على باب المقابر المليئة تنوء بحملها من الموتى القادمين بالجملة يوميا ، حيث لم تتهيأ لهم بهذا القدر ، لقد ضاقت القبور وتكدست الأموات معنا فى حفر صغيرة ضيقة كما كانت الأرض ضيقة بهم ، وكما يكون البحر الواسع يضيق ، إلا من هطول القذائف .
وتجد هنا شيخ غزى يشرب حسرات بلد يشهد ويشاهد ويلملم أشلاء القتلى : كيف سأعيد تركيب الجسد داخل الكفن ؟ كيف سيحمل وكيف سيدفن ؟
أتوا بالا غيظة أكفانا ، انتهت الاغيطة البيضاء انو بغيرها لم يبق شئ اى موت هذا لا يجد القتيل قماشا كي يتدثر به وهو راحل فى يوم شتوي نحو ارض غزة الرطبة .
نصفان لشهيدين بترت أقدامهم ثم وضعها فى كفن واحد ، فيما ضاقت القبور بغزة وعزت الأكفان تلك حقيقة هنا ، فى ارض الزيتون المحروق
من الذي يبكى ؟ ومن يدفن الشهداء ؟
ليس هنا وقت للاقتتال بين الأخوة فهؤلاء من هنا وهناك ، من اللونين ،يكون معا ويوارون قتلاهم معنا .
فاليوم ؟ هذا اليوم الطويل ، لحساب أرقام الراحلين ، ومن رحلت أطرافهم والأعضاء وغدا فقد توقف القصف والغزو وها قد توقف حزن طويل وبكاء وبدموع ومن غيرها أوقف الغازي قصفه ،بانتظار حفلة قادمة يرجوا أن يتسع له المجال لتحقيق مزيد من الإبادة ليبيد فيها غزة وستريح
ولكن ثمة بعض العزاء ، بعض الأمل .. فكما أن لغزة بحر من أحزان فلغزة أيضا بحور من غضب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق