الجمعة، 2 أكتوبر 2009

فلتكن آلامك لعنات على من يستحقها

بقلم / حمدي فضل

إن للغربة آلام لا يعرفها حق معرفتها إلا من قاساها , و إن للمرض آلام لا يعرفها إلا المرضى –عافانا الله و إياكم- و كم من مغتربين بمحض إرادتهم و آخرين يضطرهم ضيق الحال إلى الرحيل عن أرضهم و محضن ذكرياتهم , و ربما يتعجب البعض كيف لإنسان أن يتغرب عن وطنه بمحض إرادته , قد كنت أتعجب مثلهم بل و أجزم أن كل المغتربين مضطرين , حتى رأيت نماذج اختارت الغربة بمحض إرادتها , و منهم رجل جاوز الستين من عمره يمتلك الملايين من الجنيهات في بلده , رأيته يعيش في بلاد الغربة في مسكن اشتهر بين سكان المدينة بالمزبلة نظرا لرداءته , و كان يضطر للذهاب إلى عمله البعيد جدا عن سكنه , حيث عمله في الصحراء , و لبعد المسافة كان يضطر للمبيت في عمله و يأتي لمزبلته عفوا لمسكنه كل أسبوع , حتى أني رأيت في مسكنه حشرات و قوارض تزحف فقلت ما هذا ؟ فقال لي أحدهم إياك أن تقترب منها , قلت له لماذا فقال لي مازحا إنهم يدفعون الإيجار مثلنا مثلهم !!
و الأمثلة على هؤلاء الذين اختاروا الغربة بمحض إرادتهم كما يبدو لي -و السرائر يعلمها اللطيف الخبير – الأمثلة على هؤلاء كثيرة .
لكن ما يحزنني و ما يدمي قلبي هم من تركوا أوطانهم ليس برغبتهم و لكن لظروف قاهرة ألجأتهم إلى ذلك , مثل منال و عماد بطلا رواية " حتى لا تموت الروح" .
ربما نظرتي للرواية تختلف عن نظرة الكثيرين , حيث أني لا أنظر للرواية على أنها ذكريات زوج وفي لزوجته الصالحة و فقط , لا فأنا أنظر إلى عماد ومنال على أنهما -بالإضافة لذلك- ضحيتان للفساد الذي جعل الوطن يضيق بأبنائه و يلفظهم لفظا حتى يضطروا للرحيل و عينهم على الرجوع مرة أخرى وقد تحسنت أوضاعهم , منال و عماد ضحيتان في المقام الأول للفساد الذي طال كل مجالات الحياة , فكما ينتشر المرض الخبيث في خلايا الجسم , انتشر الفساد في كل نواحي الحياة و لم يدع زاوية أو ركنا إلا تسرب إليه .
أما المرضى فلا أحد يختار المرض, المرض ابتلاء من الله يصيب العبد .
لكن السؤال: هل للمرض أسباب؟
نعم للمرض أسباب , فمثلا عندما يصاب الإنسان بجرح طفيف و يهمله, يتحول هذا الجرح إلى مرض , فالإهمال سبب من أسباب المرض , كذلك ما نتناوله من أطعمة منها ما قد يسبب المرض إذا كانت هذه الأطعمة فاسدة أو منتهية الصلاحية , كذلك سمعنا في مصر عن المبيدات المسرطنة , بكسر الطاء , و التي جعلت البلاد و كأنها دخلت حربا كيماوية و أصبح السرطان منشرا كانتشار الزكام في فصل الشتاء , و ابتليت الناس بالأمراض التي لم تكن تظهر في أسلافهم , و يعرف الجميع أن الوزير السابق للزراعة جوزيف أمين والي موشيه ميزار مزراحي , الشهير بيوسف والي , هو الذي تسبب و من عاونه في هذه الكارثة و كمكافئة له على ذلك ظل في منصبه أكبر وقت ممكن* .
و كأن الغرض هو إهلاك هذا الشعب و تلويث مائه و هوائه و طعامه , و نيله الذي قدسه فراعنة الأمس و لوثه فراعنة اليوم .
و كانت منال بطلة الرواية ضحية لهذا التلويث , الذي أصاب كل شيئ , مرضت منال الضحية, منال التي تستقبل عواصف الحياة بثبات كالجبل الأشم , و اشتدت آلامها و هي مع ذلك تحتفظ بصبرها و ثباتها و حرصها على زوجها و حبها له , اشتدت آلام منال التي أجروا لها جراحة معقدة حتى لا تموت من الجوع لانتشار السرطان في أحشائها , تحملت منال الآلام و صبرت ولم تجزع , تحملت آلام الغربة و آلام المرض و الجراحة و كانت رمزا للصبر و الإيمان بقضاء الله , أسأل الله أن يرحمك أيتها الصالحة و أن يجعل آلامك لعنات على من يستحقها!!!
______________________
*أوردت الخبر صحيفة المصريون الإلكترونية بتاريخ 18-6-2006
تشهد محكمة جنايات القاهرة صباح اليوم مواجهة ساخنة بين الدكتور يوسف والي ـ نائب رئيس الوزراء ووزير الزراعة الأسبق ـ والدكتور يوسف عبد الرحمن ـ وكيل وزارة الزراعة ورئيس بنك التنمية والائتمان الزراعي الأسبق ـ من جهة، ومحامي ضحايا المبيدات المسرطنة وعدد من المنظمات المعنية بكشف كارثة المبيدات من جهة ثانية .
وطالب محامو الضحايا ـ وعلى رأسهم المحامي نبيه الوحش ـ في المذكرات التي تقدموا بها إلى رئيس محكمة الجنايات بمصادرة أموال كل من جوزيف أمين والي موشيه ميزار مزراحي الشهير بيوسف والي ـ وزير الزراعة الأسبق ـ ومستشاره الدكتور يوسف عبد الرحمن ، وإلزامهما بدفع تعويض قدره 100 مليون جنيه ، تخصص لعلاج مرضى الكلى والكبد والسرطان ومساعدة من فقدوا عائلهم بسبب المبيدات المسرطنة.
واتهمت المذكرات يوسف والي بالمسئولية عن إدخال المبيدات المسرطنة بناءً على تقرير الرقابة الإدارية الذي تسلمته النيابة ، والذي يثبت أن جميع المبيدات المسرطنة والمحرمة دوليا دخلت بموافقته الشخصية.
واستندت إلى تقرير لجنة تقصي الحقائق التي شكلها مجلس الشعب وترأسها الدكتور حمدي السيد ـ رئيس اللجنة الصحية بالبرلمان ونقيب الأطباء ـ والتي أكدت أن جميع المبيدات المسرطنة والمحرمة دوليا دخلت البلاد بأوامر شخصية من الدكتور يوسف والي.
وناشدت المذكرة المحكمة باسم جميع ضحايا السرطان والفشل الكلوي والكبد الوبائي معاقبة جميع أفراد العصابة وكل من ساعدها أو سهل مؤامرتها أو اشترك معها في تنفيذ جريمة دخول المبيدات المسرطنة بعد أن انفتحت شهيتهم للمال الحرام على حساب حياة وصحة المصريين، على حد تعبير المذكرات .
يذكر أن محكمة النقض كانت قد قيلت النقض في هذه القضية وقررت إعادة المحاكمة من جديد مرة أخرى بالقضية رقم 2859 لسنة 2005م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق